زيارة الرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله إلى إسرائيل: رسالة إلى العالم العربي والإسلامي

ISRAEL 4

أثارت زيارة الرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله، رئيس جمهورية صوماليلاند إلى إسرائيل يوم امس نقاشاً واسعاً وردود فعل متباينة، كما هو متوقع في منطقة ترتبط فيها السياسة الخارجية بقضايا الهوية والتاريخ والمواقف الإقليمية

لكن من المهم النظر إلى هذه الزيارة من زاوية أكثر هدوءاً وواقعية

هل هي موجهة ضد أحد؟ أم أنها تعبير عن قرار سيادي قائم على حسابات المصلحة الوطنية؟

من وجهة نظري، لا ينبغي تفسير أي تحرك دبلوماسي تقوم به جمهورية صوماليلاند على أنه موقف معادٍ لأي طرف أو على حساب قضية الشعب الفلسطيني. دعم الحقوق الفلسطينية والبحث عن علاقات دولية متنوعة ليسا بالضرورة مسارين متعارضين. فكثير من الدول العربية والإسلامية تقيم اليوم علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تؤكد دعمها السياسي والإنساني للقضية الفلسطينية

لكن ما جعل هذه الزيارة تستحوذ على اهتمام واسع لم يكن فقط وجهتها، بل أيضاً مستوى الاستقبال الذي لقيه الرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله. فقد لقي استقبالاً يليق برئيس دولة، وترحيباً وحفاوة بالغة حملت رسائل سياسية ورمزية واضحة. وبعيداً عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الخطوة، فإن الصورة التي خرجت بها الزيارة تركت انطباعاً لدى كثير من المتابعين بأن هناك من اختار أن يفتح الباب، وأن يمنح مساحة للحوار والتعامل والانخراط السياسي

بالنسبة لكثير من أبناء جمهورية صوماليلاند، لم يكن الأمر مجرد مراسم بروتوكولية أو صور دبلوماسية، بل حمل رسالة أعمق مفادها أن الاحترام السياسي والاستماع والانفتاح له أثر، وأن الاعتراف والتعامل الجاد يترك أثراً كبيراً في تشكيل العلاقات الدولية

ISRAEL 3

وهنا تأتي الرسالة الأهم إلى العالم، وخاصة إلى العالم العربي والإسلامي

إذا كانت جمهورية صوماليلاند تُعد جزءاً من العمق العربي والإسلامي بحكم الدين والجغرافيا والتاريخ، فلماذا لم تجد خلال العقود الماضية مستوى مشابهاً من الانفتاح أو الاهتمام أو الحضور السياسي؟ ولماذا ظل التواصل محدوداً رغم الروابط الثقافية والإنسانية والدينية القائمة، فضلاعنالاعتراف؟

السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم: لماذا يُطلب من جمهورية صوماليلاند دائماً الانتظار والتضحية بخياراتها السياسية والدبلوماسية، بينما لا يقابل ذلك انخراط سياسي أو اقتصادي أو تنموي يوازي حجم التوقعات؟

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، تمكنت جمهورية صوماليلاند من بناء مؤسساتها، والحفاظ على الاستقرار، وإجراء انتخابات، وتطوير الإدارة المحلية في بيئة إقليمية معقدة. ورغم ذلك، ظل الحضور العربي والإسلامي محدوداً مقارنة بما كان يتطلع إليه كثير من أبناء المنطقة

هذا الواقع خلق لدى البعض شعوراً بأن هناك فجوة بين خطاب الأخوة والتضامن الإسلامي وبين السياسات العملية على الأرض. فالاستثمار ظل محدوداً، والانخراط الدبلوماسي لم يرتقِ إلى مستوى الطموحات، والتعاون المؤسسي بقي أقل من المتوقع، رغم الموقع الجغرافي الاستراتيجي لجمهورية صوماليلاند عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن، وما تمثله المنطقة من أهمية متزايدة في التجارة والأمن والنقل البحري

إذا كان هناك درس سياسي يمكن استخلاصه من هذه الزيارة، فهو أن الفراغ لا يبقى فارغاً. عندما تتردد بعض الدول أو تتأخر في بناء العلاقات، تظهر أطراف أخرى مستعدة للحضور والاستماع والتعاون وفتح الأبواب

في السياسة الدولية، الاحترام له أثر، والاستقبال له معنى، والحضور يصنع النفوذ. وعندما يشعر أي شعب أو قيادة سياسية بأن هناك من يتعامل معه بجدية ويمنحه الاهتمام، الاحترام والتقدير، فإن ذلك ينعكس بصورة طبيعية على اتجاهات العلاقات المستقبلية

THE PRESIDENT

لكن ما زالت الفرصة قائمة

لا يزال بإمكان الدول العربية والإسلامية إعادة تقييم نهجها والانخراط بشكل أكبر مع جمهورية صوماليلاند عبر الحوار والتعاون الاقتصادي والتنموي، وتوسيع العلاقات الرسمية وغير الرسمية، والاستفادة من الروابط الدينية والثقافية والجغرافية التي تجمع الطرفين

ليس المقصود هنا دعوة للقطيعة أو تغيير الهوية أو الانتماء الحضاري، بل دعوة إلى مراجعة واقعية تقوم على فهم أن العلاقات الدولية لا تُبنى على الأمنيات وحدها، وإنما على الحضور والتواصل والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة

قد تكون هذه الزيارة، بما حملته من استقبال وترحيب وحفاوة، رسالة سياسية يجب قراءتها بعناية. والرسالة للعالم العربي والإسلامي واضحة: ما زالت هناك فرصة لتدارك هذا الخطأ الاستراتيجي، الإهمال، وبناء علاقة أكثر حضوراً وتأثيراً وانفتاحاً مع جمهورية صوماليلاند

في النهاية، الدول تتحرك وفق ما تراه من مصالحها الوطنية، لكن الأصدقاء الحقيقيين هم من يحضرون في الوقت المناسب، لا بعد أن تكون الخيارات الأخرى قد أصبحت واقعاً

بقلم: عبدالكريم علي بارجيح

https://www.newarab.com/news/somaliland-president-makes-historic-visit-israel