حين تتعارض المبادئ والمصالح: تركيا وموقفها من جمهورية صوماليلاند

TURKEY VS SOMALILAND

أكتب هذا المقال بصفتي مواطن من جمهورية صوماليلاند. لا أحمل كراهية لأحد، ولا أبحث عن خصومات، لكنني—مثل أي مواطن يحترم نفسه وبلده—حين تتعارض المبادئ والمصالح أضع مصلحة بلادي فوق الجميع. هذا ليس تشدداً ولا عناداً، بل منطق الدول والشعوب: كل دولة في العالم تجعل مصالحها أولاً، وتركيا نفسها تفعل ذلك. ومن حقي أن أفعل الشيء نفسه، وأن أطرح سؤالاً سياسياً بوضوح وبهدوء، وأن أكتب رأياً يُعبّر عن إحساسي بالإنصاف والاتساق.

تركيا بالنسبة لي بلد مسلم وأحترم الأتراك كأمة حملت إرث “آخر خلافة إسلامية” للمسلمين.
أضف إلى ذلك، تركيا بلد متقدم، وصاعد، ومؤثر. استطاع خلال عقود قليلة أن يبني اقتصاداً متنوعاً، صناعات عسكرية متنامية، ومؤسسات حديثة، وأن يصنع لنفسه حضوراً محترماً في قضايا المنطقة والعالم. وهي أيضاً وجهة سياحية جميلة، تجذب الناس بطبيعتها ، وبمدنها وثقافتها، وبقدرتها على تقديم تجربة محترمة للزائرين (وانامنهم). هذا التقدير ليس مجاملة، بل ملاحظة واقعية. لذلك، لا أكتب هنا لأهاجم تركيا كبلد أو كشعب، ولا لأقلل من نجاحها أو رمزية تاريخها.

لكن السياسة ليست سياحة، والاحترام لا يعني الصمت. الاختلاف الحقيقي بيني وبين تركيا—كموقف سياسي—يكمن في تعاملها مع بلدي جمهورية صوماليلاند. هنا تتوقف لغة الإعجاب وتبدأ لغة الأسئلة. لأن ما نناقشه ليس ذوقاً في الطعام أو جمالاً في الطبيعة، بل حق شعب في تقرير مستقبله ومصيره.

تركيا تعلن موقفاً واضحاً: هي تدعم “وحدة الصومال” وترفض أي اعتراف بجمهورية صوماليلاند كدولة مستقلة. هذا الموقف ليس سرياً ولا ضمنياً، بل هو موقف معلن ومتكرر. وزارة الخارجية التركية أكدت ذلك في بيان رسمي في ديسمبر 2025، عندما شددت على دعمها لوحدة أراضي الصومال. كما أن تصريحات الرئيس التركي الاخيرة خلال زيارته لاثيوبيا كانت صريحة حيث قال اعتراف جمهورية صوماليلاند لا يفيد احد!

قد يقول البعض: هذا طبيعي، فتركيا تتعامل مع دولة معترف بها دولياً اسمها “الصومال”، وتربطها بها علاقات واسعة، وتريد الحفاظ على الاستقرار في القرن الأفريقي. وأنا أفهم ذلك من زاوية المصالح. لكن المشكلة ليست في أن تركيا لها مصالح، بل في الطريقة التي تُقدّم بها موقفها وكأنه “مبدأ ثابت” لا استثناء فيه، بينما الواقع يشير إلى أن المبادئ في السياسة الدولية كثيراً ما تُدار بانتقائية.

وهنا أصل إلى لب الموضوع: لماذا تُعامل جمهورية صوماليلاند كقضية “ممنوعة”، بينما تعاملت تركيا بمرونة أو قبول مع حالات انفصال أو تقسيم في أماكن أخرى؟ لماذا يُرفع شعار “وحدة الأراضي” أمام جمهورية صوماليلاند كجدار لا يُكسر، بينما نرى استثناءات واضحة في ملفات أخرى؟

أذكر مثالين لا يمكن تجاهلهما عندما نتحدث عن الاتساق. المثال الأول هو قبرص الشمالية. الواقع هناك معروف: كيان منفصل قائم منذ عقود، ووجود عسكري تركي بدأ منذ 1974. كثير من المصادر العامة تصف هذا الواقع بوصفه نتيجة تدخل عسكري تركي وتواجد طويل الأمد. قد ترد تركيا بأن القضية لها سياق تاريخي وأمني خاص، وقد تتحدث عن حماية الأتراك القبارصة، لكن النتيجة النهائية—بصرف النظر عن الروايات—هي واقع منفصل ثبت بقوة الأمر الواقع.

المثال الثاني هو كوسوفو. تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال كوسوفو عن صربيا عام 2008، وهذا موثق في بيانات رسمية منشورة على موقع وزارة الخارجية التركية. هنا نتحدث عن اعتراف بدولة جديدة انفصلت عن كيان سيادي سابق ضمن سياق دولي معقد. قد تقول تركيا: كوسوفو تختلف بسبب الحرب والإدارة الدولية والسياق القانوني. صحيح أن السياقات تختلف، لكن وجود الاختلاف في السياق لا يلغي السؤال المركزي: إذا كانت القاعدة هي رفض الانفصال حفاظاً على وحدة الدول، فلماذا تُقبل حالات وتُرفض أخرى بالمطلق؟ ولماذا تبدو جمهورية صوماليلاند دائماً في خانة “الرفض غير القابل للنقاش”؟

أنا لا أطرح هذا السؤال لأُدين تركيا أخلاقياً أو لأحرجها، بل لأفهم المنطق الحقيقي. لأنني، ككاتب رأي، لا أريد أن أعيش داخل شعارات جميلة لا تصمد أمام الأمثلة. إن كانت السياسة تُدار بالمصالح، فلنقل ذلك بصراحة: تركيا ترى أن مصلحتها في دعم الحكومة الفيدرالية في مقديشو، وفي الحفاظ على نفوذها ومشاريعها وشراكاتها هناك، وبالتالي ترفض أي خطوة قد تُضعف هذا المسار أو تُفسّر كاعتراف بدولة مستقلة في صوماليلاند. هذا تفسير مفهوم وواقعي. لكن تقديم هذا الموقف كـ“مبدأ عام” مطلق، مع وجود استثناءات واضحة في ملفات أخرى، هو ما يجعل الأمر يبدو متناقضاً.

ما يزيد حساسية الموضوع أن تركيا ليست دولة بعيدة عن منطقتنا. تركيا لاعب مباشر في القرن الأفريقي، وموجودة سياسياً وتنموياً وأمنياً في الصومال. لذلك تأثير موقفها ليس نظرياً. حين ترفض تركيا الاعتراف بجمهورية صوماليلاند، فهي لا تقول رأياً فحسب، بل تقوي تلقائياً موقف طرف ضد طرف، وتحدّ من خيارات جمهورية صوماليلاند في بناء علاقات خارجية متوازنة.

وهنا أؤكد نقطة أساسية: جوهر الخلاف ليس أن تركيا “تخالفني الرأي”، بل أن تركيا تتصرف وكأن جمهورية صوماليلاند لا تملك حقاً أصيلاً في أن تختار علاقاتها الخارجية، أو أن تُعامل كطرف سياسي له وزن. بينما أنا أرى أن جمهورية صوماليلاند—بوصفها واقعاً قائماً منذ أكثر من ثلاثين سنة—لها حق واضح في أن تقرر مع من تتعامل، وكيف تتعامل، وبأي شروط، بما يخدم مصالح شعبها وأمنه واستقراره وتنميته.

قد يقول آخر: لكن الاعتراف الدولي لم يأتِ بعد. اولا، إسرائيل اعترفت بجمهورية صوماليلاند كدولة مستقلة ذات سيادة في ٢٦ ديسمبر 2025. ثانيا، الاعتراف الدولي مسار سياسي معقد. لكن حتى قبل الاعتراف، هناك حق طبيعي في التواصل والاتفاقات والتبادل والمصالح—خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحياة الناس: الاقتصاد، التعليم، الصحة، الأمن، التجارة، الموانئ، الاستثمار، الوظائف، وربط البلاد بالعالم. هذه ليست رفاهية، بل ضرورة.

ومن هنا، حين أرى تركيا تتخذ موقفاً متشدداً من جمهورية صوماليلاند، أشعر أنها تغلق باباً كان يمكن أن يُدار بحكمة أكبر. ليست المشكلة أن تركيا يجب أن تعترف فوراً، بل أن تركيا تستطيع—حتى وهي متمسكة بوحدة الصومال—أن تتعامل بلغة أكثر اتزاناً، وأن تعترف بوجود “قضية صوماليلاند ” لا تُحل بالإنكار، وأن تترك هامشاً لحرية جمهورية صوماليلاند في بناء علاقات مع العالم.

لأن الواقع يقول شيئاً بسيطاً: لا يمكن أن تُجبر شعباً على التوقف عن السعي وراء ما يراه حقاً له. يمكن أن تُؤخر الاعتراف، يمكن أن تعقّد الطريق، لكن لا يمكن أن تلغي الرغبة السياسية والاجتماعية، ولا يمكن أن تمحو تجربة دولة قامت على الأرض لعقود. لذلك أنا أرى أن سياسة الرفض المطلق ليست سياسة ذكية على المدى الطويل، لا لتركيا ولا للمنطقة. الرفض المطلق قد يكسب نقطة قصيرة المدى لصالح طرف، لكنه يخسر ثقة طرف آخر، ويغلق أبواباً كان يمكن أن تُفتح لصالح الاستقرار الحقيقي.

وأنا أكتب هذه السطور بوضوح: لا أطلب من تركيا أن تضع مصلحة جمهورية صوماليلاند فوق مصلحتها. أنا أفهم أن الدول لا تفعل ذلك. لكنني أطلب شيئاً واحداً: أن تحترم تركيا أن جمهورية صوماليلاند أيضاً تضع مصلحتها فوق الجميع. وأن من حق جمهورية صوماليلاند أن تختار مع من تتعامل، وأن تبني علاقات وشراكات حيث ترى المنفعة والأمان، دون أن تُعامل دائماً كأنها خطأ سياسي يجب أن يُصحح.

في السياسة، كلمة “الحق” ليست كلمة رومانسية. هي كلمة عملية. الحق يعني أن يكون لك خيار. وجمهورية صوماليلاند تحتاج خيارات. لا يمكن أن تبقى رهينة لواقع لا يتغير، أو لوعود دولية لا تتحقق، أو لقراءة سياسية واحدة مفروضة من الخارج. إذا كانت تركيا فعلاً تريد استقرار القرن الأفريقي، فاستقرار القرن الأفريقي لا يتحقق بإلغاء طرف أو تحقير تجربته، بل باحترام إرادة الشعوب وسيادة الدول.

ما الذي يمكن أن تفعله تركيا إذا أرادت أن تكون أكثر اتزاناً دون أن تخسر علاقاتها مع مقديشو؟ هناك خطوات بسيطة لكنها مهمة: أن تخفف من خطاب الرفض الحاد، وأن تتجنب تصوير كل انفتاح لجمهورية صوماليلاند على العالم كأنه تهديد، وأن تفصل—قدر الإمكان—بين التنمية والحسابات السياسية الضيقة. يمكن لتركيا أن تتعامل مع الناس لا مع الخرائط فقط.

ثم إن الاتساق مهم. تركيا دولة كبيرة وذات تأثير، وتريد أن تُقرأ كدولة مبادئ وعدالة. حسناً، الدولة تُقاس عندما تكون المبادئ صعبة التطبيق، لا عندما تكون سهلة. إذا كان المبدأ هو وحدة الدول، فلا بد أن نرى كيف يُطبق في كل الحالات، أو على الأقل أن نسمع تفسيراً واضحاً ومقنعاً للتمييز بين حالة وأخرى. أما أن نرى دعماً لانفصال هنا، وتثبيت واقع منفصل هناك، ثم رفضاً مطلقاً لجمهورية صوماليلاند، فهذا يترك انطباعاً بأن المعيار ليس المبدأ بل المصلحة والظرف.

أنا لا أكتب هذا الكلام لأستعدي تركيا. بالعكس، أنا أكتب لأنني أريد علاقة أكثر نضجاً ووضوحاً: علاقة تحترم حق تركيا في مصالحها، وتحترم حق جمهورية صوماليلاند في مصالحها أيضاً. أنا أريد أن أرى تركيا—كدولة مسلمة متقدمة—قادرة على التعامل مع قضايا المسلمين في مناطقهم بمنطق أكثر عدلاً واتساقاً. لا أطلب المستحيل. أطلب فقط أن تُعامل قضيتنا كقضية سياسية، لا كملف مغلق بقرار مسبق.

وفي النهاية، أعود إلى الفكرة التي بدأت بها: لا كراهية. لا عداء للشعب التركي. ولا رغبة في قطع الجسور. لكن هناك فرق بين الاحترام وبين التنازل عن الحق. أنا من جمهورية صوماليلاند، وأضع مصلحة بلادي فوق الجميع. وكما تختار تركيا شركاءها وسياساتها وفق مصالحها، فمن حق جمهورية صوماليلاند أيضاً أن تختار مع من تتعامل، وكيف تتعامل، وبأي شروط.

هذا هو السياق الذي أريد أن يصل للقارئ ببساطة:
تركيا بلد مسلم متقدم وجميل، لكن اختلافنا معها سياسي، ويدور حول حق جمهورية صوماليلاند في تقرير مصير علاقاتها وخياراتها. ومن يريد أن يفهم موقفنا يجب أن يبدأ من هذه الحقيقة: نحن لا نطلب من أحد أن يحبنا، ولا أن يجامِلنا، بل أن يحترم أننا—مثل كل شعوب الأرض—نبحث عن مصلحتنا وكرامتنا ومستقبلنا.