منطقة القرن الإفريقي اليوم ليست منطقة هامشية في السياسة الدولية، بل أصبحت واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم بسبب موقعها الجغرافي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وفي قلب هذه المنطقة تقع جمهورية صوماليلاند، الدولة التي أستعادت استقلالها عام 1991 بعد سنوات طويلة من الظلم والحروب والدمار، لكنها لا تزال حتى اليوم تواجه تجاهلاً عربياً وإسلامياً كبيراً رغم تاريخها العميق وعلاقاتها القديمة مع العالم العربي والإسلامي.
هذا التجاهل لا يضر جمهورية صوماليلاند وحدها، بل قد يكلف الدول العربية والإسلامية الكثير سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً في المستقبل، خاصة في ظل دخول قوى دولية وإقليمية جديدة إلى المنطقة وملئها للفراغ الذي تركه العرب والمسلمون.

جمهورية صوماليلاند… دولة لها تاريخ واستقلال واضح
كانت صوماليلاند مستعمرة بريطانية تعرف باسم “محمية صوماليلاند البريطانية”. وفي 26 يونيو 1960 حصلت على استقلالها الكامل من بريطانيا، وأصبحت دولة مستقلة معترفاً بها من أكثر من 35 دولة.
لكن بعد خمسة أيام فقط من الاستقلال، وفي 1 يوليو 1960، دخلت جمهورية صوماليلاند في وحدة طوعية مع الصومال الإيطالي بهدف تحقيق حلم “الصومال الكبير” وتوحيد الشعب الصومالي.
كانت تلك الوحدة قائمة على المشاعر القومية والحماس الشعبي أكثر من كونها مبنية على اتفاق قانوني عادل وواضح بين الطرفين. ومع مرور السنوات بدأت المشاكل تظهر بشكل كبير، خاصة مع سيطرة النخب القادمة من الجنوب على السلطة والجيش والاقتصاد والإدارة.

لماذا انهار الاتحاد مع الصومال؟
فشل الاتحاد لم يكن حدثاً مفاجئاً، بل كان نتيجة تراكم طويل من الظلم والتهميش والإقصاء السياسي والاقتصادي.
شعب جمهورية صوماليلاند شعر مبكراً بأن الوحدة لم تحقق العدالة أو الشراكة المتساوية، بل تحولت إلى هيمنة سياسية من مقديشو على حساب الشمال.
ومن أبرز أسباب انهيار الاتحاد:
التهميش السياسي والإداري لشعب جمهورية صوماليلاند.
ضعف التنمية والخدمات في مدن الشمال.
سيطرة النظام العسكري بقيادة سياد بري على الحكم بالقوة.
الاعتقالات والتضييق على المعارضين.
استهداف القبائل والمدن الشمالية بشكل مباشر.
القصف الجوي والتدمير الواسع لمدن صوماليلاند.
وفي الثمانينات وصلت الأمور إلى مرحلة مأساوية، حيث تعرضت مدن مثل هرجيسا وبرعو لقصف عنيف أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف. وقد وصفت منظمات دولية ما حدث بأنه من أسوأ الانتهاكات في إفريقيا خلال تلك الفترة.
هرجيسا، عاصمة جمهورية صوماليلاند، دُمرت بشكل شبه كامل، حتى أصبحت تعرف في بعض التقارير الدولية بأنها “دريسدن إفريقيا” بسبب حجم الدمار الذي تعرضت له.
قادت الحركة الوطنية الصومالية SNM كفاحاً مسلحاً ضد النظام العسكري، إلى أن سقط نظام سياد بري عام 1991، وأعلنت صوماليلاند في 18 مايو 1991 استعادة استقلالها الذي كانت قد حصلت عليه أصلاً عام 1960.
ومنذ ذلك التاريخ، بنت جمهورية صوماليلاند مؤسساتها السياسية والأمنية والدستورية بجهود داخلية، واستطاعت تحقيق استقرار في منطقة تعاني من الحروب والفوضى.

علاقات صوماليلاند التاريخية مع العالم العربي والإسلامي
العلاقة بين شعب صوماليلاند والعالم العربي والإسلامي ليست جديدة أو طارئة، بل تعود لقرون طويلة.
- فشعب صوماليلاند مسلم سني، مرتبط ثقافياً ودينياً بالعالم الإسلامي. كما أن التجارة والهجرة والتعليم الديني ربطت المنطقة تاريخياً باليمن والحجاز ومصر ودول الخليج
- كانت موانئ مثل بربرة وزيلع مراكز تجارية مهمة تربط إفريقيا بالجزيرة العربية. ومن خلال هذه الموانئ انتقلت التجارة والعلم والدعوة الإسلامية بين الجانبين.
- كما أن آلاف الطلاب من جمهورية صوماليلاند درسوا في الجامعات العربية والإسلامية، خاصة في السعودية والسودان ومصر واليمن. وتخرج منهم علماء ودعاة وأكاديميون لعبوا دوراً كبيراً في المجتمع.
وفي المقابل، ساهم رجال الأعمال والتجار من جمهورية صوماليلاند في اقتصادات الخليج والدول العربية لعقود طويلة.
كل ذلك كان يفترض أن يخلق علاقة قوية واستراتيجية بين جمهورية صوماليلاند والعالم العربي والإسلامي، لكن الواقع اليوم مختلف تماماً.
أين كان الدعم العربي والإسلامي؟
رغم كل هذه الروابط التاريخية، فإن جمهورية صوماليلاند لم تحصل على الدعم الذي كانت تتوقعه من الدول العربية والإسلامية، خاصة بعد الدمار الكبير الذي تعرضت له خلال الحرب.
فعندما أعادت جمهورية صوماليلاند بناء نفسها من الصفر، كان الدعم العربي والإسلامي محدوداً جداً مقارنة بحجم المعاناة والتحديات.
لم يتم الاعتراف بصوماليلاند رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استعادة استقلالها، ورغم امتلاكها:
. حكومة مستقرة.
. عملة خاصة.
. جيش وأجهزة أمن.
. جواز سفر.
. انتخابات تعددية.
. مؤسسات دستورية.
. استقرار أمني أفضل من كثير من الدول المعترف بها.
وفي المقابل، استمرت كثير من الدول العربية والإسلامية في التعامل مع جمهورية صوماليلاند بحذر شديد خوفاً من إغضاب الحكومة الصومالية أو بسبب حسابات سياسية إقليمية.

ازدواجية المعايير العربية والإسلامية
الكثير من أبناء جمهورية صوماليلاند يرون أن هناك ازدواجية واضحة في المعايير تجاه قضيتهم.
فبعض الدول العربية والإسلامية دعمت أو اعترفت بحركات انفصال أو دول جديدة في مناطق مختلفة من العالم عندما كانت مصالحها السياسية تقتضي ذلك، لكنها ترفض حتى مناقشة قضية صوماليلاند بجدية.
كما أن هذه الدول تتحدث كثيراً عن دعم الاستقرار والتنمية في إفريقيا، لكنها تجاهلت واحدة من أكثر المناطق استقراراً في القرن الإفريقي.
جمهورية صوماليلاند لم تبنِ استقرارها بالتدخل الأجنبي أو القوات الدولية، بل بنت نفسها بجهود شعبها ومصالحتها الداخلية، ومع ذلك لم تحصل على التقدير الكافي.
بل إن بعض الدول العربية والإسلامية تستثمر وتتعاون اقتصادياً وأمنياً مع جمهورية صوماليلاند بشكل غير مباشر، لكنها تتجنب الاعتراف السياسي الرسمي بها.
وهذا التناقض خلق شعوراً بالإحباط لدى كثير من أبناء جمهورية صوماليلاند الذين يرون أنهم عوقبوا بسبب نجاحهم واستقرارهم.
ماذا تريد جمهورية صوماليلاند من العالم العربي والإسلامي؟
مطالب جمهورية صوماليلاند ليست معقدة أو مستحيلة، بل تعتبر مطالب طبيعية لأي شعب يريد العيش بكرامة واستقرار.
ومن أهم ما تطلبه:
. الاعتراف الرسمي بجمهورية صوماليلاند.
. إقامة علاقات دبلوماسية كاملة.
. دعم التنمية والبنية التحتية.
. الاستثمار في الموانئ والمطارات والطاقة.
. دعم التعليم والصحة والتدريب.
. تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي.
. التعامل مع صوماليلاند كحقيقة سياسية قائمة على الأرض.
. كما تطلب جمهورية صوماليلاند من الدول العربية والإسلامية أن تنظر إلى القضية بواقعية سياسية لا بعاطفة قديمة مرتبطة بشعار “الوحدة الصومالية” الذي انتهى عملياً منذ عقود.

ماذا تخسر الدول العربية والإسلامية؟
استمرار تجاهل جمهورية صوماليلاند لا يعني بقاء الوضع كما هو، بل يعني أن قوى أخرى ستدخل وتبني نفوذها ومصالحها هناك.
اليوم أصبحت المنطقة محل تنافس دولي كبير بين قوى عالمية وإقليمية تسعى للتواجد على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ العسكري.
وكان من الطبيعي أن تبحث جمهورية صوماليلاند عن أي طرف مستعد للتعاون معها ومساعدتها اقتصادياً وسياسياً.
وفي هذا السياق، بدأت إسرائيل تبدي اهتماماً متزايداً بالمنطقة، مستفيدة من الفراغ السياسي والدبلوماسي الذي تركته الدول العربية والإسلامية.
والحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن شعب جمهورية صوماليلاند سيرحب بأي جهة تساعده وتحترمه وتتعامل معه كشريك، مهما كانت تلك الجهة. فالدول تبني علاقاتها على المصالح، لا على العواطف والشعارات.
ولا يمكن لوم شعب عانى من الحرب والعزلة والتجاهل لعقود إذا قرر البحث عن شركاء جدد يوفرون له الدعم والاستثمار والاعتراف.
إذا استمرت اللامبالاة العربية والإسلامية، فإن الخسائر قد تشمل:
. فقدان النفوذ في منطقة استراتيجية قرب باب المندب.
. خسارة فرص استثمارية ضخمة.
. تراجع الحضور العربي في القرن الإفريقي.
. زيادة نفوذ قوى منافسة.
. خسارة شريك مستقر ومهم في الأمن البحري والتجارة.
كما أن صوماليلاند تمتلك فرصاً اقتصادية واعدة في مجالات:
. الموانئ والخدمات اللوجستية.
. الثروة الحيوانية.
. الصيد البحري.
. الطاقة.
. التعدين.
. الطيران والنقل.
. التجارة الإقليمية.
وكان يمكن للدول العربية والإسلامية أن تكون الشريك الأول في هذه المجالات بحكم القرب الجغرافي والديني والثقافي
الواقع أقوى من التجاهل
بعد أكثر من 30 عاماً، أثبتت جمهورية صوماليلاند أنها ليست حالة مؤقتة أو كياناً عابراً. إنها واقع سياسي وإداري وأمني قائم على الأرض.
ورغم غياب الاعتراف الدولي الكامل، فإنها استطاعت الحفاظ على الأمن والاستقرار وإجراء الانتخابات وبناء مؤسسات الدولة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ولهذا فإن تجاهل القضية أو تأجيلها لن يلغي وجودها، بل سيزيد من ابتعاد جمهورية صوماليلاند عن محيطها العربي والإسلامي.
العالم يتغير بسرعة، والسياسة لا تعرف الفراغ. وإذا لم تتحرك الدول العربية والإسلامية لبناء علاقة حقيقية مع جمهورية صوماليلاند، فإن أطرافاً أخرى ستفعل ذلك بكل تأكيد.
وفي النهاية، لا تطلب جمهورية صوماليلاند صدقة أو شفقة، بل تطلب اعترافاً بواقع سياسي وتاريخي دفع شعبها ثمنه بالدماء والتضحيات والمعاناة الطويلة.
عبدالكريم علي بارجيح
كاتب ومحلل سياسي
